أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
60
نثر الدر في المحاضرات
قلت : فمن أستشير ؟ قالت : المجرّب الكيس ، أو الأديب الصغير . قلت : فمن أستصحب ؟ قالت : الصديق المسلم ، أو المداجي المتكرّم . ثمّ قالت : يا أبتاه ؛ إنّك تفد إلى ملك الملوك ، فانظر كيف يكون مقامك بين يديه . حديث أم معبد الخزاعية روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه خرج ليلة هاجر من مكّة إلى المدينة وأبو بكر رحمه اللّه وعامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد اللّه بن أريقط . فمرّوا على خيمة أم معبد الخزاعية - وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الكعبة ، ثمّ تسقى وتطعم - فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها ؛ فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك ، وكان القوم مرملين مسنين . فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه إلى شاة في كسر الخيمة . فقال : ما هذه الشاة يا أمّ معبد ؟ قالت : شاة خلّفها الجهد عن الغنم . قال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك . قال : أتأذنين أن أحلبها . قالت : بأبي وأمي أنت . نعم : إن رأيت بها حلبا فاحلبها ، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالشاة فمسح ضرعها ، وسمّى اللّه ودعا لها في شاتها ، فتفاجّت « 1 » عليه ودرّت واخترت « 2 » ودعا بإناء يربض الرّهط « 3 » فحلب فيه ثجّا حتّى غلبه الثمال ، ثم سقاها حتى رويت ، وسقى أصحابه حتّى رووا ، ثم شرب آخرهم ، وقال : ساقي القوم آخرهم شربا . فشربوا جميعا عللا بهد نهل ، ثم أراضوا ، ثمّ حلب فيه ثانيا عودا على بدء حتى ملأ الإناء ، ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها . فقلّ ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيّلا عجافا تساوك « 4 » هزالا ، مخهنّ قليل ولا نقابهنّ فلمّا رأى أبو معبد اللبن عجب وقال : من أين هذا يا أمّ معبد ؟ والشاء عازبة حيال « 5 » ، ولا حلوبة في البيت . فقالت : لا واللّه ، إلّا أنه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت . قال : صفيه لي يا أمّ معبد ، فقالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعبه ثجلة « 6 » ولم
--> ( 1 ) تفاجّت : أي بالغت في تفريج رجليها . ( 2 ) اخترت : أكثرت . ( 3 ) يربض الرهط : أي يرويهم ويشبعهم . ( 4 ) تساوك : تسير سيرا ضعيفا . ( 5 ) الحيال : غير الحامل . ( 6 ) الثجلة : ضخامة البطن .